عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

196

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

أبي بكر حاله ، إنك لم تغضب إلا لشريعتي والآن قد وهبته ، فلما سرى عن مظفر من واقعته ذهب مسرورا إلى أبي بكر ليبشره ، وكان قد كوشف بجميع ما جرى في الواقعة ، ولم يكاشف بعد فقد حاله بشيء قبلها ، فتلاقيا في نصف الطريق وأتيا إلى الشيخ محيي الدين عبد القادر ، فقال : يا مظفر بلّغ رسالتك ، فذكر له ما وجد في واقعته ونسي شيئا منها ، فذكره إياه الشيخ ، ثم استتاب أبا بكر عما كان يكرهه منه وضمه إلى صدره ، فوجد في الحال جميع ما كان قد فقده بزيادة . وقالوا : وكان مظفر يحكي ما رآه وسمعه في واقعته ، وقلنا لأبي بكر : كيف كنت تأتي إلى أمك ؟ قال : كنت إذا أردت زيارتها حملت ولا أزال أمر تحت الأرض حتى البئر فاجتمع معها ، ثم أحمل من حيث أتي بي إلى أن أرد إلى مكاني . قالوا : وقال عباد : أنا أعيش بعد وفاة الشيخ عبد القادر وأرث حاله ، فأمسك الشيخ بيده وقال : يا عباد لأبعدن بينك وبين ربعك ، ولأجعلن خيول هجري تجول في حمى ميدانك ، وأفلت يده من يده وقد سلبه حاله ، وفقد جميع معاملاته ، وبقي على ذلك مدة ، فبينما الشيخ جميل البدوي رحمه اللّه ليلة في خلوته إذ ورد عليه وارد قهره ، فظهر فيه نور لطيف ، شديد الإشراق ، يسمع ويبصر ويدرك ، ثم حمل روحه إلى الحضرة في عالم الملكوت ، وانتهى به إلى مجلس فيه جمع من المشايخ ، منهم من يعرفه ، ومنهم من لا يعرفه ، فهبّت عليهم نسمة أسكرتهم ، قالوا : هذه من طيب مقام الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه ، وألقى في سمعه هذا علم لا يدرك بوصف محجوب ، ووصف لا يعلم غايته ، فسمع ناطقا ينطق من باطنه يقول : يا رب أسألك أخي عبادا ، فألقى على سمعه : لا يرد عليه حاله إلا من سلبه ، ثم عاد جميل إلى حال بشريته وأتى إلى الشيخ عبد القادر ، فقال له : يا جميل سألت في عباد ؟ قال : نعم ، قال : ائتني به ، فأتى به فقال : يا عباد سر مع الحاج خفيرا له ، قال : نعم ، وذلك حين خروج الركب العراقي من بغداد ، فسار معهم إلى قيد ، فرأى شجرة فداخله وجد فصاح ودار في السماء حتى غاب في وجده عن وجوده ، وانفتحت مسامه ، وخرج منها الدم حتى خرّ تحت قدميه ، ثم أفاق وقد رجع إليه حاله كله ومثله معه ، فقال الشيخ محيي الدين في ذلك الوقت لجميل : إنه قد ردّ اللّه عز وجلّ على عبّاد حاله ومثله معه ، وكنت أقسمت على اللّه عز وجلّ ألا يرد عليه حاله حتى يخوض في دم الهجر ، وقد خاض فيه اليوم .